"أريد رجلاً".. مسلسل يعيد زمن الدراما الرومانسية المأخوذة عن روايات

Maha Elenany

منذ الإعلان عن بدء تصوير مسلسل "أريد رجلاً" وطرح أسماء أبطاله في الصحافة، ومقارنة تلقائية دارت في ذهني بين الصورة التي رسمتها في خيالي وقت قراءة رواية الكاتبة "نور عبد المجيد" وبين الأبطال المقترحين لتجسيد الشخصيات التي لم تترك الروائية السعودية مجالاً لقارئ هذا العمل أن يتخيل أي شئ خارج الصورة التي رسمتها بعناية فائقة لكل بطل من أبطالها.


الرواية نستطيع أن نقول أنها أنصفت المرأة بشكل كبير، والتي لازالت تعاني من قهر المجتمعات الشرقية التي تعتبر إنجاب الإناث شئ يُنقص من أهمية الزوجة داخل العائلة ويجعلها دوماً مهددة بزواج ثان يُقدم عليه زوجها بحثاً عن (الولد).


نعم هذا يحدث في العام الخامس عشر من الألفية الثالثة، فلازال هناك رجال لا يدركون أن مسئولية إنجاب الذكور أو الإناث لا تقع على عاتق المرأة بل الرجل هو من يحدد جنس المولود، وكلها حقائق أثبتها العلم والطب منذ سنوات عديدة.


فأمام هذة المشكلة التي قد ينكر وجودها الكثيرون ممن يتشدقون بحقوق المرأة وتُظهر مواقفهم عكس ذلك، تنهار قصة حب رائعة بين (سليم عبد المجيد) الرجل الصعيدي الذي سكن القاهرة منذ أعوام فلم نعد نميزه عن أبنائها (من حيث الشكل والهيئة فقط)، فصراع محتدم يشتعل بداخله بين صعيديته ومحاولته مجاراة حياة سكان المدينة أو (حى الزمالك) الذي يقطنه، وبين (أمينة عزت) الفتاة القاهرية بكل شقاوتها وجمالها الآخاذ والتي تربت بقدر من الحرية التي لم تُمنح لذلك الرجل الصعيدي.


المحزن في الموضوع هو أن من قهر المرأة هنا إمرأة مثلها متجسده في شخصية (يامنه) والدة (سليم) تلك المرأة الصعيدية المتغطرسة والتي كانت أحد أسباب إنهيار قصة الحب الجميلة سعياً وراء عادات وتقاليد باتت غير معقولة في زمن أثبتت فيه الفتاة العربية جدارتها بل وتفوقها في بعض الأحيان على أقرانها من الرجال.

المسلسل بكامله يدور حول قصص عدد من الفتيات والسيدات الباحثات عن الحلم والحب في مجتمع ينصف المرأة بقدر جمال جسدها ووجهها وكمية المساحيق التي تغطيه، لتُظلم فتاة طيبة القلب مثل (نهى سليمان) والتي تتمتع بجمال متوسط، وهنا لم تنقل السيناريست (شهيرة سلام) أفكار (نور عبد المجيد) كما أرادتها الأخيرة، فالتحول الذي حدث لـ (نهى سليمان) ضمن أحداث المسلسل لم يكن مبرراً ولم يضف للعمل وسيصدم حتى المشاهدون الذين لم يقرأوا الرواية، فماذا عن الذين قرأوها، فلم يكن مبرراً أن تقوم فتاة اعتزلت كل شئ يجعلها ملفته للأنظار من ماكياج وأكسسوار وأزياء بألوان فاتحة على مدار ما يقرب من 54 حلقة، أن تقوم بتغيير أسلوبها فجأة إلى ستايل الفتاة التي تعتمد إرتداء الأزياء القصيرة ووضع مكياج كامل في وضح النهار وكأنها تستعد للذهاب لسهرة أو مناسبة.


هنا لم تنجح شهيرة سلام في إيصال الفكرة التي لعبت عليها الكاتبة نور عبد المجيد، والتي أرادت أن توصلها من خلال شخصية (نهى) وهى أن الفتاة متوسطة الجمال يمكن أيضاً أن يكون لها فرصة في الحب والزواج، وأن الفتاة يجب أن تقدم نفسها للمجتمع ليس كسلعة تخضع للعرض والطلب.


مسلسل الستون حلقة الأنجح


فمنذ إنطلاق موضة المسلسلات ذات الستون حلقة والتي تعتمد في أغلب الأحيان على قصص رومانسية وإجتماعية أبطالها عدد من الشباب في مواجهة صريحة لإجتياح الدراما التركية للشاشات العربية، ووصولها للجمهور العربي من خلال قصص بسيطة تلمس مشاعرهم وتعكس مشاكلهم الإجتماعية على الشاشة، منذ ذلك الحين لم يُقدم عمل عربي متماسك الأركان على مستوى الكتابة والتي تحتمل بنائها على جزئين مثل مسلسل "أريد رجلاً".


قد يرجع السبب في ذلك إلى إعتماد صناع العمل على رواية ناجحة لكاتبة أثبتت جدارتها في تقديم الروايات الرومانسية بالإضافة إلى المعالجة الدرامية التي طرحتها السيناريست "شهيرة سلام"، والتي أضافت بعض التفاصيل التشويقية للشخصيات، فتحولت بطلة الرواية "أمينة عزت" من موظفة في بنك إلى مذيعة إذاعة شهيرة في أحداث المسلسل، وكذلك صديقتها "نهى سليمان".

أبطال يؤكدون نجاحهم، وأخرون عائدون بعد غياب


إياد نصار.. نجح في تقديم دور الشاب الصعيدي الحائر بين جذوره وتربية أمه الصارمة وبين حبه لأمينة، فأبدع في مشاهد الصراع الدائر بين زوجته وأمه، وهذا الدور حتماً سيضيف الكثير لرصيده عند المشاهدات الفتيات والسيدات.


ظافر العابدين.. يؤكد على نجاح تجاربه السابقة تحديداً في الدراما المصرية، فدوره هنا يمر بتطورات نفسية وإجتماعية فرضت على أدائه عمقاً نجح في نقله للمشاهد، رغم بعض الأخطاء في لهجته المصرية.


مريم حسن.. وجه جديد على الدراما المصرية وإن كان لها تجربة سابقة في السينما من خلال فيلم (ولد وبنت)، أدائها وطلتها الرقيقة الشقية تنذر بنجمة مصرية جديدة ستثبت وجودها إن أتيحت لها الفرص الجيدة.


أحمد عبد العزيز.. نجم الدراما في التسعينات يعود بعد غياب دام سنين ليجسد دور الأب الحنون والزوج الخائن، فأبدع وشكل دويتو رائع مع مريم حسن في مشاهد عديدة.


ندى بسيوني.. جميلة التسعينات التي عُرفت في الدراما بأدوار الفتاة الشريرة والمتطلعة، هنا تلعب دور الأم المحبة لأبنتها والمضحية من أجلها بالأستمرار في زواج تدرك فشله من سنين.


أخطاء عكرت صفو المشاهدة


احتوى العمل على بعض الأخطاء والتي لا نستطيع أن نحملها سوى لمخرج العمل (محمد مصطفى) يتعلق بعضها بمكساج الصوت ففي بعض الأحيان ظهرت أصوات معدات التصوير تحديداً الشاريو المسئول عن تحريك الكاميرا، أيضاً كان هناك أخطاء تتعلق بما يعرف بالـ (الراكور) حيث كانت تظهر بطلة العمل في نفس المشهد بحقيبة مختلفة.


أيضاً من الممكن أن نعتبر أن إستبدال مشاهد بغيرها لتقريب أو إيصال نفس المعنى الذي ورد في الرواية من الأخطاء التي وقع بها صناع العمل، فكيف للسيناريست والمخرج أن يستبدلا شخصية محورية مثل (خالد ذو الفقار) والذي لعب دوره النجم (ظافر العابدين) بأخته (ملك) التي قامت بدورها (نيرمين زعزع) في مشهد هام master scene أمام (نهى سليمان) والتي جسدتها الفنانة (سهر الصايغ) حيث من المفترض أن يحاول البطل أن يستعيد خطيبته التي قررت أن تنفصل عنه لأسباب نفسية تتعلق بعدم ثقتها بنفسها وفي حبه لها، فقصة (نهى وخالد) كانت من أهم المحاور التي ارتكزت عليها الرواية في الأساس، وهو ما لم نراه على الشاشة لدرجة حذف مشاهد بأكملها لهما أنتظرها قراء الرواية وكانت في غاية النعومة وتعكس العمق النفسي للشخصيات، (فخالد ونهى) هنا ليسوا أصدقاء البطل والبطلة اللذان عهدناهم على مدار سنوات في السينما والدراما بأدوار سطحية لا تضيف للعمل.


الموسيقى التصويرية غابت، فظلمت العمل


السؤال.. هل عمل بهذة النوعية لا يستحق من صناعه تقديم موسيقى تصويرية أكثر عمقاً وتأثيراً، تؤلف كمقطوعات لكل شخصية رأيناها على الشاشة؟ وهنا أطلب من صناع الدراما العربية البحث وراء أسباب نجاح الدراما التركية والتي تعد الموسيقى التصويرية من أهمها من بعد القصص الرائعة، والأماكن الطبيعية الخلابة، ووسامة وجمال الفنانين والفنانات.


"أريد رجلاً" عملاً سيعيد للأذهان مسلسلات الثمانينات بكل جمالها وقوتها بإعتماده على رواية ناجحة، وحتماً سيلاقي نجاحاً رائعاً وقت عرضه على القنوات غير المشفرة، ولكن كان يجب أن يدرك صناعه أنهم يعملون بمعايير الألفية الثالثة، فيتجنبوا أخطاء لو لم تحدث لصنف كأفضل عمل درامي رومانسي في العام 2015.

(3)  

إعلانات google