ألم الأمومة

Maguy_Aoun

Shutterstock ©

 

لن أبدأ كلامي بوصف الأمهات ومشاعرهن وتضحياتهن، ولن أعترف مرة بعد ان أجمل اختبار في حياتي حين ولدتني ابنتي أماً على قياس راحتيها الصغيرتين، ولن أتأسف باسم كل امرأة لم يتسنّ لها ان تعيش عمليا" امومتها لأسباب متعددة؛ بل سأتكلم باسم كل طفلة صغيرة وهي تنطق أولى كلماتها على مسامع هذه الدنيا،  كلمات أم طفلة، وهي تدلّع لعبتها الشقراء وتداعب شعرها وتعدها بلعبة صغيرة اذا ما أنهت طعامها كله.


لا جديد مبتكرا" في كلامي هذا، أو في أحاسيسي التعبيرية هذه. بل الجديد الذي أحب ان أشاطره معكم في كلماتي التالية، هو احساس أم، اكتشفت منذ بعض الوقت، أن هناك شعوراً بالألم، عظيم،  يكاد يعصرها ويحتلّها. هذا الشعور الموجع لم تكن لتشعر به ابداً في حياتها لو لم تكن أما"!


كيف ذلك؟


ككل الأمهات، عشت مع أولادي كل أنواع العواطف والأحاسيس المتبادلة بين كل أم وأطفالها.. تختلف طبعاً درجات التفاعل بحسب العمر والخبرة والنضج ومسار الحياة ومشاكلها وأفراحها وهمومها...

حين استدار بطني الصغير في العشرين من عمري، وحمل في أحشائه حلمي الأول بأن أصبح أماً؛ كنت كمن تنتظر فرحها البكر لتنشره فوق كل غيمة وسماء. ولكنني بعد تسعة أشهر ، حملت بين يدي باقة ورد بيضاء، نثرت رائحتها الذابلة فوق كل حبة تراب...


اليوم، أهدتني السماء عشرين عام من الأمومة العملاقة ببساطتها وبريقها:

تعثّرت وسهرت وقلقت واحتفلت وتأثرت ودرست ورسبت ونجحت ومرضت وبحثت عن أجمل أحمر شفاه، ووقعت عن أول كعب عال، وتزيّنت، واستعديت لأول سهرة  وأول فستان وأول قبلة. وكتبت أولى كلمات الحب، وحزنت لأول فراق، ثم حلمت وطرت وحلّقت ولم يهدأ جناحي بعد..


وبعد...


منذ بعض الوقت، ركضت كما عادتي، لأحضن بين ذراعيَ، ملاكي الصغير، وهي تدخل باب البيت  عائدة من مدرستها ، تشكو من وجع رأسها؛ ركضت كعادتي لأقبل ألمها، وأحملها وأضمها الى قلبي... وفجأة ، اكتشفت ان حضني الكبير الكبير، لم يعد يتسع لضمّها. لم تقدر يداي ان تلف جسدها الطري. ما عاد جسدها يستطيع الأختباء بجسدي... لم أصدّق...! تحايلت مرة جديدة ولم أقدر ان أجعلها تتكوّم في حضني... طفلتي الصغيرة لم تعد صغيرة..!! ظننت للوهلة الأولى ان عشرة أعوام قد انقضت منذ ان ودعتها في الصباح الى مدرستها... كيف يمكن ان تكبر فجأة دون علمي... كيف يمكن ان تصبح صبية بساعات قليلة ولحظات سريعة...!!


لو كنت أدري ان هذه اللحظة ستأتي، لما سمحت لك لحظة، ان تغيبي عن حضني... لحملتك على دقات قلبي، وضممتك تحت رمش عيني، وحميتك بملح دمعي ... لما تركت العمر يسرق مني ما سأظل أشتاقه حتى بعد ان تصبحين أنت أماً، وتبكين حباً،  كما أنا الآن أبكي....

مواضيع أخرى قد تهمّك

إعلانات google

لا تعليق متوفر لهذا الموضوع